ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
493
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
يا شيخ من خاف البيات ( 1 ) يقل نومه ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد فاخزن لسانك وعد كلامك لا تقل إلا بخير ( 2 ) . يا شيخ ارض للناس ما ترضى لنفسك وائت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك فقال له زيد بن صوحان العبدي يا أمير المؤمنين أي سلطان أغلب وأقوى قال الهوى قال فأي ذل أذل قال الحرص على الدنيا قال فأي عمل أفضل قال التقوى قال فأي عمل أنجح قال طلب ما عند الله قال فأي صاحب أشر قال المزين لك معصية الله قال فأي الخلق أشقى قال من باع آخرته بدنيا غيره قال فأي الناس أكيس قال من أبصر رشده قال فمن أحلم الناس قال الذي لا يغضب قال فأي الناس أثبت رأيا قال من لم تغره الناس من نفسه ولم تغره الدنيا بتشوفها ( 3 ) قال : فأي الناس أحمق قال المغتر بالدنيا وهو يرى ما فيها من تقلب أحوالها قال فأي الناس أعمى قال الذي عمل لغير الله يطلب بعمله الثواب من عند الله عز وجل قال فأي المصائب أشد قال المصيبة بالدين قال فأي الناس خير عند الله قال أخوفهم لله وأعملهم بالتقوى وأزهدهم في الدنيا قال فأي الكلام أفضل عند الله عز وجل قال كثرة ذكره والتضرع إليه ودعاؤه قال فأي الأعمال أفضل عند الله عز وجل قال التسليم والورع قال ثم أقبل عليه السّلام على الشيخ فقال يا شيخ إن الله عز وجل خلق خلقا ضيق عليهم الدنيا نظرا لهم وزهدهم فيها وفي حطامها فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض علموا أن الموت سبيل لمن مضى وبقي فتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة ولبسوا الخشن وصبروا على القوت وقدموا الفضل وأحبوا في الله وأبغضوا في الله أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة فقال الشيخ : وأين أذهب وأدع الجنة وأنا أراها وأرى أهلها
--> ( 1 ) البيات : الهجوم على الأعداء ليلا . ( 2 ) بعض النسخ لا تقل كلامك إلا بخير ] . ( 3 ) تشوف تشوفا : تزين . وفي المطبوعة [ تشوقها ] بالقاف .